محمد محمد أبو ليلة

42

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

وردت كلمة ( اقرءوا ) بتوجيه الأمر للمسلمين بقراءة القرآن ، في قوله تعالى : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ( المزمل : 20 ) أي في صلاتكم ، وقد عبّر اللّه هنا بقراءة القرآن عن الصلاة لتلازمهما . ونود أن نوضح بعد هذا العرض للآيات الخاصة بقراءة القرآن ومناقشتها ، أنه على أي نحو ورد الأمر بالقراءة ، وأيا كان المتحدث بالقرآن ، اللّه تعالى ، أو جبريل عليه السلام ، أو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فإن القرآن كله كلام اللّه تعالى ، لا شريك له فيه ، كما لا شريك له في ملكه . وهناك أيضا آيات جاء فيها الفعل " قرأ " بهذه الصيغة ، أو بصيغة أخرى مصحوبا بلفظة " كتاب " بمعنى " مكتوب " كما في قوله تعالى : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ( 92 ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ( الإسراء : 90 : 93 ) . من هذه الآيات نتبين أن القوم كانوا أهل جدال وعناد ، ولم يكونوا طلاب حقائق بالمرة . ولكن ينبغي أن نلاحظ أيضا أن الذين سألوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ليسوا هم كل الكفار ، وإنما جماعة منهم فقط ، وهم عتبة وشيبة ابني ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، وأبو البحتري ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، وعبد اللّه بن أمية ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ؛ وهؤلاء هم رؤوس الكفر آنذاك ، وكلام هؤلاء المجادلين يخلو من الفكر والنظر ، وهو وليد المكابرة والمهاترة ، فهم قد جزموا سلفا بعدم الإيمان ، إذ قالوا له : " لن نؤمن لك " أي لن نصدقك فيما تقول ، ولم يقولوا " لن نؤمن بك " ؛ لأن الإيمان به يقتضى اتباعه لا مجرد تصديقه ، فالقضية عنادية . وصراعهم مع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، كان من أجل الرئاسة والزعامة فحسب ؛ لقد تعنتوا بمطالبته أن يفجر لهم عين ماء جارية في الأرض الجدباء ؛ أن تكون له حدائق غنّاء وزروع فيحاء ، تنساب فيها مياه الأنهار عذبا فراتا ؛ أن يسقط عليهم السماء من فوقهم فلقا فلقا وقطعا قطعا كما أخبرهم بحسب زعمهم ؛ أن يكون له بيت فخم من ذهب ، شأن أهل الرئاسات في الدنيا ؛ أن يصعد إلى